سلطان بن مترك الخضاري معدل تضخم الأسعار .. ووضع المواطن المعيشي .. ورأي العلامة ابن خلدون !
بسم الله الرحمن الرحيم
ترتفع تكاليف المعيشة ارتفاعا كبيرا ، فيرتفع صوت المواطن وتزداد حدة
شكواه و تبرمه ، حتى إذا ما صدر معدل تضخم الأسعار من قبل مؤسسة النقد
في كل نهاية شهر برقم يشير إلى أن هذا التضخم صحي وطبيعي وغير مقلق ازداد
هذا المواطن المسكين حيرة وعجبا ؛ إذ كيف يصدق هذا المعدل المطمئن وهو
يرى أن السلع والمنتجات التي يشتريها بشكل دائم ترتفع أسعارها في كل شهر
عن الشهر الذي قبله حتى ليكاد دخله الشهري يعجز عن تغطية تكاليفها مع أن
استهلاكه للمنتجات في كل شهر هو الاستهلاك نفسه . ويزول هذا العجب إذا
عرفنا أن معيار قياس التضخم قد لا يكون في بعض الأحوال مقياسا دقيقا
لمعرفة حجم الأضرار المباشرة لارتفاع الأسعار على وضع المواطن المعيشي ؛
ذلك أن معيار التضخم لا يفرق بين ما هو ضروري وأساسي ومستهلك بشكل أكبر
لدى المواطن من المنتجات والخدمات والسلع ، و ما هو كمالي وثانوي مستهلك
بشكل أقل ، وإنما يقيس معدل تضخم الأسعار في السلع والخدمات بشكل عام ؛
حيث يقوم في نهاية كل شهر أو ربع عام بقراءة أسعار ما يزيد عن ( 400 )
سلعة وخدمة ومقارنتها بأسعارها في الأشهر الماضية ، و قد تكون بعض السلع
والخدمات المنخفضة أو المستقرة في أسعارها التي شملها المسح من السلع والخدمات
الثانوية والكمالية لدى المواطن الفرد ، بينما تكون السلع الأساسية والخدمات الضرورية ذات
الاستهلاك الأكثر أسعارها مرتفعة ، لكن حدة تضخم أسعار هذه السلع
والخدمات الضرورية تذوب - عند قياس معدل التضخم - في أسعار السلع الكمالية
والخدمات الثانوية المستقرة والمنخفضة ؛ فحينئذ لا يكون لارتفاع أسعار السلع
الأساسية والخدمات الضرورية كبير تأثير في معدل التضخم ، ومن ثم يصبح هذا المعدل العام
للتضخم لا يحدد بشكل دقيق حجم الأضرار المباشرة لارتفاع أسعار تلك
السلع والخدمات على الأوضاع المعيشية للمواطنين ، ولذا نجد أن
العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة في الفصل الثاني عشر من الباب
الرابع يقسم الحاجات والسلع لمعرفة الوضع الطبيعي للأسعار في أي مصر من الأمصار
إلى قسمين : سلع أساسية ضرورية ، وسلع ثانوية كمالية .. ويرى أن البلد
الذي يكون عمرانه مستبحرا وحركة التنمية فيه نشطة تكون أسعار السلع
الأساسية فيه رخيصة بينما تكون أسعار السلع الكمالية والثانوية مرتفعة ، أما
إذا كان البلد ضعيف العمران بطيء التنمية فإن أسعار سلعه الأساسية تكون مرتفعة
بينما تكون أسعار سلعه الثانوية والكمالية رخيصة .
إن مؤسسة النقد ووزارة التجارة وغيرها من الأجهزة المعنية بالسيطرة على
التضخم ليس بإمكانها أن تسيطر بشكل تام على معدل التضخم وعلى أسبابه ،
لكنها بإمكانها أن تحدد الخدمات الضرورية والمنتجات والسلع الأساسية التي لا توجد
لها بدائل ولا يمكن للمواطن الاستغناء عنها ، ومن ثم تضعها في سلم
أولوياتها ، فتعمل على كسر حدة تضخم أسعارها ، وتضع لأسعارها سقفا لا
تتجاوزه ولا تتعداه .
إن مجيء موجة ارتفاع الأسعار بعد انهيار سوق الأسهم لهو كالنار التي تأتي
على الزرع بعد يبسه ، وستكون لذلك انعكاسات سلبية وتبعات سيئة على الانتعاش
الاقتصادي ؛ مما يحتم على الجهات المعنية بذل الجهود الكبيرة وإيجاد
الحلول الناجعة لكبح جماح هذه الموجة المتزايدة للتضخم بدل التصريحات
المطمئنة التي نسمعها عند صدور أية نشرات لمعدلات التضخم في بلادنا.
سلطان بن مترك الخضاري
وادي الدواسر - اللدام
alkhdari@gmail.com
* ملاحظة : نظرا لأن هذا المقال - بعد أن نشر في الوطن - قام أحد الكتاب في جريدتي الجزيرة والرياض يحمل درجة الدكتوراة
- تقتضي المروءة ستره وعدم ذكر اسمه - بالسطو عليه ونقل جزء كبير منه حرفيا دون أن يشير إلى المصدر ، فإنني أعرض رابط المقال في جريدة الوطن حفاظا على الحقوق الفكرية وحتى يعرف صاحب المقال :
صحيفة وادي الدواسر الإلكترونية تتيح لك مساحة للتعبير عن رأيك ، فكن على قدر المسؤولية وليكن تعليقك بعيداً عن المساس بالدين ، والوطن وقيادته. فعبر عن وجهة نظرك بمسؤولية وإيجاز ، دون إساءة لأحد